الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

66

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

إن الأمانة في أصلها ترجع إلى أمانتين : أمانة اللَّه تعالى وأمانة رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم لقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) « 1 » ، أي : لا تخونوا اللَّه في أمانته ، ولا تخونوا أمانة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم . فما هي أمانة اللَّه ؟ وما هي أمانة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم . أمانة اللَّه تعالى إن أمانة اللَّه التي أبت السماوات والأرض والجبال أن تحملها لعظمها المطلق : هي نور الرسول محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم نفسه ، ولقد أكد الحق سبحانه وتعالى عدم إمكانية أي شيء في الوجود على تحمل نزول هذا النور في قوله : ( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) « 2 » ، فلما كان القرآن هو محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم لم تستطع الجبال ولا غيرها من الموجودات تحمل النفحات الجمالية والسطوات الجلالية لهذا الكمال المطلق ، ولكن الإنسان بما أودع اللَّه فيه من أسرار النفخة الروحية قَبِل حملها . أي قبل اتباع النور المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وطاعته ومحبته والفناء فيه من أول مخلوق من جنسه وهو آدم وإلى آخر من سيخلق من ذريته ، وكان هذا من ظلمه وجهالته . وبعد قبول الإنسان لحمل هذه الأمانة أخذ اللَّه تعالى الميثاق على النبيين وأممهم وعاهدهم على ذلك فقال سبحانه : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) « 3 » ، فكان حضرة الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم قبل ظهوره أمانة اللَّه تعالى عند الأمم السابقة ، فكانوا حين يدعون إلى اللَّه تعالى يذكرون الناس بميثاق الأزل وأن عليهم اتباعه ، فإذا ظهر الرسول محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم في زمنهم فعليهم أن

--> ( 1 ) الأنفال : 27 . ( 2 ) الحشر : 21 . ( 3 ) آل عمران : 81 .